حبيب الله الهاشمي الخوئي
83
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
المستعدّ لمرتبة النبوّة وهو الَّذي في قواه النّفسانيّة خصائل ثلاث : أن يعلم جميع المعلومات أو أكثرها من عند اللَّه ، وأن يطيعه مادة الكائنات باذن اللَّه ، وأن يسمع كلام اللَّه ويرى ملائكة اللَّه . أمّا العلم بجميع المعلومات والاطلاع على الأمور الغايبة من غير كسب وفكر فيحصل من صفاء جوهر النّفس وشدّة صقالتها ونورانيّتها الموصل لها إلى المبادي العالية وشدة الاتّصال بها . وأمّا إطاعة مادّة الكائنات فبسبب شدّة انسلاخهم عن النواسيت الانسانيّة تدوم عليهم الاشراقات العلويّة بسبب الاستضاءة بضوء القدس والإلف بسنا المجد فتطيعهم المادة العنصريّة القابلة للصور المفارقة فيتأثر المواد عن أنفسهم كما يتأثّر أبدانهم عنها ، فلهذا يكون دعاؤهم مسموعا في العالم الأعلى والقضاء السابق ويتمكن في أنفسهم نور خلَّاق به يقدرون على بعض الأشياء الَّتي يعجز عنها غيرهم . قال اللَّه تعالى في عيسى بن مريم عليهما السّلام * ( وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيه ِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَه َ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * ( آل عمران . الآية 44 ) . وأما الخصلة الثالثة فلأنّ الأنبياء لهم نفوس مقدّسة قلَّت شواغلها عن الحواس الظاهرة فتخلَّصت بذلك عن المادّة الجسمانيّة فلم يكن بينها وبين الأنوار حجب ولا شواغل لأنّها من لوازم المادّة فإذا تخلَّصت النّفس عن تعلَّقاتها كانت مشاهدة للأنوار والمفارقات البرئية عن الشوائب الماديّة واللَّواحق الغريبة ولذا يكونون مشاهدين للملائكة على صورهم بقوتهم القدسية ، سامعين لكلامهم ، قابلين لكلام اللَّه تعالى بطريق الوحي ومعلوم أنّ المادّة الَّتي تقبل هذه الخصائل والكمالات تقع في قليل من الأمزجة ولذا قال عليه السّلام : إنّ الأنبياء وصفوته من خلقه ، فمزاجهم اعدل الأمزجة الانسانية ونفسهم الفائضة من الأوّل تعالى ألطف وأشدّ وأقوى وأوسع وجودا من غيرها ، فهم غير مشاركين للنّاس على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب